خواجه نصير الدين الطوسي

59

جواهر الفرائض ( الفرائض النصيرية )

المنزل وسياسة المدن . وهنا لا بدّ من التذكير بأنّ عنوان سياسة المدن فسّر في إدارة الدولة ، حتّى غدا ما يتبادر من هذه اللفظة هو الوظائف والأعمال التي يقوم بها الحكّام والسلاطين والأمراء ، والحال أنّها ناظرة إلى آداب المعاشرة ووظائف الناس اتّجاه بعضهم البعض ، وهذا ما يمكن أن يطلق عليه اسم الآداب الاجتماعيّة . ولهذا السبب ، نرى أنّ إطلاق سياسة المدن على إدارة الدولة وتدبير الناس لم يكن بدون مناسبة . وهنا قد يطرح السؤال التالي : هل أنّ الحكمة العمليّة لها موقع في العلم والمعرفة ، أم أنّها عبارة عن أمر مرتبط بالفعل والتطبيق فقط ؟ يمكننا - بمراجعة سريعة لما ورد في تعريف الحكمة - أن نجيب على هذا السؤال بشكل وافٍ . حيث إنّ دراسة آثار العلماء العظام ، يفيد بأنّهم كانوا يعتمدون على مصالح الأعمال والأخلاق في تعريف الحكمة ، وأنّهم قليلًا ما كانوا يتحدّثون عن مجرّد التصرّف والعمل . لذا نرى المحقّق الطوسي يعرّف الحكمة العمليّة - كما أشرنا في تعريفه - بشكل أنّ المراد من مصالح الأفعال والأعمال هو المعرفة . ومن الواضح أنّ إدراك المصالح والمفاسد يرتبط بالعقل ، وأنّه من مقولة العلم . ويمكننا - من باب المثال - الإشارة إلى علم الفقه ، حيث لا شكّ في أنّ موضوعه هو أفعال المكلّفين . ولا يمكن التشكيك في أنّ فعل المكلّف هو عمل ، والعمل مرتبط بجوارح الإنسان ، وبالتالي يكون من مقولة الفعل . كما أنّ الفقيه يطلق على العارف بالأحكام والعالم بالمسائل الشرعية ؛ أعمّ من أن يكون هو نفسه عاملًا بها أم غير عامل . ومن المسلّم به أيضا أنّ العلم بالأحكام والمسائل من مقولة العلم ، ومرتبط بمسألة العلم والمعرفة .